محمد أبو زهرة
2875
زهرة التفاسير
نكدا ، وهذه تدعوه إلى أن يبحث عن أرض خير منها . . . فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ( 15 ) [ الملك ] ، وأن يبحث عن خيرات الأرض من باطنها مما اختزنته من معادن وفلزات وكنوز ، وأحجار وماس ، وكل ما له نفاسة ، فكل أرض اللّه تعالى لا تخلو من خير . وهذا معناه أنه لا يمكن أن يمحى الفقر والغنى أو يذاب ما بينهما من فروق كما يقول الجهلاء الذين لا يؤمنون بشيء ، وقد نقص إدراكهم عن أن يصل إلى حقائق الوجود ، وإن تزعموا وتحكموا ، وحكموا بالباطل . وإن بيان معاني هذه الآية المحكمة على أنها حقيقة تبين قدرة اللّه وتصريف خيرات الوجود بمقتضى علم اللّه تعالى ، وتدبيره وحكمته ، وأن بلاد اللّه فيها الطيب الذي يحييه خير اللّه ، وينزل الماء فيه ، وفيها الجدب الخبيث الذي لا ينبت إلا نكدا ، وإن كان قد ضم باطنه خيرا آخر ، لا في الطعام والثمر والزرع ، ولكن في منافع الناس . وقد رأى ابن عباس - رضى اللّه تعالى عنهما - أنه مثل ضربه اللّه تعالى للمؤمن والكافر ، فالمؤمن كالبلد الطيب يخرج نباته وثماره بإذن ربه ، فقلب المؤمن كالأرض الرطبة لا يكون منها ما هو طيب ، وقلب الكافر خبيث كالبلد الخبيث الذي لا ينتج إلا نكدا ، قبيحا وشرا . وإنا نقول غير جامعين بين الحقيقة والمجاز ، إن الآية تدل على تصريف اللّه تعالى ، وتشير عن بعد إلى قلب المؤمن وقلب الكافر ، وتقاربهما من البلدين ، الأول من البلد الطيب ، والثاني من البلد الخبيث . وقد روى البخاري عن أبي موسى الأشعري عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير ، أصاب أرضا ، فكانت نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت فيها أجادب أمسكت الماء ، فنفع اللّه بها الناس فشربوا ، وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما